الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
215
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )
تعطيل هذا الحد لو بنى على هذه الدقة الا شاذا ، صحيح لا ريب فيه ، ولكن لا يمنعنا ذلك عن الحكم به ولعل الشارع المقدس أراد تقليل من يشمله هذه الحدود كما يظهر من عدم قبول الاقرار مهما أمكن ، ورد المقر إلى أهله ، وتوجيه كلماته وتفسيره بما ليس ظاهر كلامه ، إلى غير ذلك من القرائن . فقد تحصل مما ذكرنا انه لا مناص الا ما ذكره الأصحاب في المسألة من اعتبار الصراحة في الشهادة هنا مع كون تحملها أيضا عن رؤية ، وبه ظهر حال الفرعين من الفروع الثلاثة ، ولا وجه للترديد في ذلك أخيرا حسب ما افاده - قدس سره - في التحرير بعد ما عرفت . * * * اما الفرع الاخر وهو انه هل يكفى قول الشهود ، انا لا ندري جهة الحلية بينهما أم لا لا بد من التصريح بالعدم ، لا مجرد عدم العلم ، فالحق انه لا ينبغي الريب في عدم كفاية الأول ولزوم الثاني ، وان كان يظهر كفايته من كشف اللثام كما سيأتي ، وذلك لان فعل المسلم لا بد ان يحمل على الصحة ، مضافا إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات . أضف إلى ذلك كله جريان السيرة المستمرة بأنه إذا رأينا رجلا مع امرأة يعامل معها معاملة الزوج مع زوجته لا يسئل عنه عن سبب هذا المعنى وانها حليلته أم لا ؟ ولا يجب النهى عن المنكر بمجرد عدم العلم بسبب التحليل قطعا ، بل ولا يسئل من ذلك ، وهذا مما جرت سيرة المسلمين عليه في جميع الأعصار والأمصار ، فإذا لم يجب ذلك فلو رآه الشهود يجامعها ليس لهم الشهادة بالزنا بمجرد عدم العلم بسبب التحليل ، والّا وجب النهى عن المنكر في ساير مراتب المعاشرة معها ، وهذا امر ظاهر لا سترة عليه . نعم العلم بالعدم يحصل من القرائن المختلفة وليس مبنيا على المشاهدة ، لأن عدم وجود سبب للتحليل ليس مما يشاهد .